مناع القطان

133

مباحث في علوم القرآن

وجمع أبي بكر للقرآن كان نقلا لما كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب . وجمعا له في مصحف واحد مرتب الآيات والسور . مقتصرا على ما لم تنسخ تلاوته ، مشتملا على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن . وجمع عثمان للقرآن كان نسخا له على حرف واحد من الحروف السبعة ، حتى يجمع المسلمين على مصحف واحد . وحرف واحد يقرءون به دون ما عداه من الأحرف الستة الأخرى . قال ابن التين وغيره : « الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان ، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب جملته ، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد ، فجمعه في صحائف ، مرتّبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وجمع عثمان كان لمّا كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعضه ، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش ، محتجا بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسّع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر ، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت ، فاقتصر على لغة واحدة » وقال الحارث المحاسبي : « المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان ، وليس كذلك ، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد ، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار ، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات ، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق » « 1 » . وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة ، وحسم مادة الخلاف ، وحصن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان . وقد اختلف العلماء في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق ،

--> ( 1 ) أنظر الإتقان . صفحة 59 ، 60 ج 1 .